الحلبي

248

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

النبوة ووصف الشهادة ، فيدخلون في عموم لفظ الآية ، ولأنه صلى اللّه عليه وسلم قال في مرض موته « لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر فهذا أو ان انقطاع أبهري من ذلك السم » فثبت كونه صلى اللّه عليه وسلم حيا في قبره بنص القرآن ، إما من عزم اللفظ أو من مفهوم الموافقة . ووجه رده أن الأولوية قد تمنع بل أصل القياس ، لما علمت أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل ، والأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم وإن جمعوا بين النبوة والشهادة ، إلا أن المراد في الآية شهداء المعركة لا مطلق الشهادة ، إذ شهادة المعركة لم تحصل لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ثم لا يخفى أن الذي ثبت حياة الأنبياء وصلاتهم في قبورهم وحجهم ، وأما صومهم وأكلهم وشربهم في ذلك فلم أقف على ما يدل على ذلك في شيء من الأحاديث والآثار ، وقياسهم في ذلك على الشهداء علمت أنه قد يمنع لما أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل . والذي يدل على أنهم يحجون ما جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « سرنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين مكة والمدينة فمررنا بواد ، فقال : أيّ واد هذا ؟ فقالوا : وادي الأزرق ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : كأني أنظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام واضعا إصبعيه في أذنيه له جؤار إلى اللّه تعالى بالتلبية مارا بهذا الوادي ، ثم سرنا حتى أتينا على ثنية ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : كأني أنظر إلى يونس عليه الصلاة والسلام على ناقة حمراء عليه جبة صوف مارا بهذا الوادي ملبيا » وقد جاء في موسى عليه السلام « أنه كان على بعير » وفي رواية « على ثور » ولا منافاة لجواز أن يكون تكرر حجه أو ركب البعير مرة والثور أخرى . ولا يخفى أن رزق الشهداء يصدق على الجماع ، لأنه مما يتلذذ به كالأكل والشرب . ثم رأيت سيدي أبا المواهب الشاذلي رحمه اللّه ونفعنا ببركاته ، قال في كتابه المسمى « بعنوان أهل السر المصون في كشف عورات أهل المجون » وأخبر سبحانه عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وحمله أهل العلم على الحقيقة وأنهم يأكلون ويشربون وينكحون حقيقة ، وقائل غير هذا أي أن الأكل والشرب عبارة عن لذة تحصل لهم كاللذة الناشئة عن الأكل والشرب والنكاح صرف هذه الآية عن ظاهرها من غير ضرورة تلجىء إلى ذلك ، ثم قاس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الشهداء في ذلك ، لما تقدم من أنهم أجلّ وأعظم ، وما من نبي إلا وقد جمع بين النبوة والشهادة . وقد علمت جواب من منع القياس . ثم رأيت عن إفتاء شيخنا الشمس الرملي الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم والشهداء رضي اللّه عنهم يأكلون في قبورهم ويشربون ويصلون ويصومون ويحجون . ورفع الخلاف هل ينكحون ؟ فقيل نعم . وقيل لا ، وأنهم يثابون على صلاتهم